أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
228
العقد الفريد
فإن تكن الأيام فرّقن بيننا * فقد عذرتنا في صحابته العذر وكنت أرى هجرا فراقك ساعة * ألا لا بل الموت التفرق والهجر أحقا عباد اللّه أن لست لاقيا * بريدا طوال الدهر ما لألأ العفر « 1 » فتى ليس كالفتيان إلا خيارهم * من القوم جزل لا ذليل ولا غمر « 2 » فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى * وإن كان فقر لم يؤد متنه الفقر « 3 » وسامي جسيمات الأمور فنالها * على العسر حتى يدرك العسرة اليسر ترى القوم في العزاء ينتظرونه * إذا شتّ رأي القوم أو حزب الأمر « 4 » فليتك كنت الحيّ في الناس باقيا * وكنت أنا الميت الذي ضمّه القبر فتى يشتري حسن الثناء بماله * إذا السّنة الشهباء قلّ بها القطر « 5 » كأن لم يصاحبنا بريد بغبطة * ولم تأتنا يوما بأخباره البشر لعمري لنعم المرء عالي نعيّه * لنا ابن عرين بعد ما جنح العصر تمضّت به الأخبار حتى تغلغلت * ولم تثنه الأطباع عنا ولا الجدر « 6 » فلما نعى الناعي بريدا تغوّلت * بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر « 7 » عساكر تغشى النفس حتى كأنني * أخو نشوة دارت بهامته الخمر إلى اللّه أشكو في بريد مصيبتي * وبثّي وأحزانا يجيش بها الصدر وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى * من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر وما زال في عينيّ بعد غشاوة * وسمعي عما كنت أسمعه وقر على أنني أقني الحياء وأتّقي * شماتة أقدام عيونهم خزر « 8 » فحيّاك عني الليل والصبح إذ بدا * وهوج من الأرواح غدوتها شهر سقى جدثا لو أستطيع سقيته * بأود فروّاه الرواعد والقطر « 9 »
--> ( 1 ) لألأ العفر : حركت الظباء أذنابها . ( 2 ) الجزل : القوي ؛ والغمر : الذي لم يجرب الأمور . ( 3 ) تخرق : توسع ؛ ولم يؤد : لم يثقل . ( 4 ) شت : تفرق . ( 5 ) الشهباء : السنة التي يكثر فيها الجليد . ( 6 ) تغلغلت : دخلت ؛ والأطباع : الخواتم . ( 7 ) تغولت به الأرض : ذهبت به ( 8 ) أقني الحياء : ألزمه . ( 9 ) أود : موضع .